وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ـ تحدث القرآن، إلى جانب التحذير من ترك الصلاة، أيضاً عن عدم الاكتراث بالصلاة، والغفلة عنها، وتقديم بعض الأعمال عليها.
الصلاة في القرآن ليست مجرد مجموعة من الحركات والأذكار اليومية؛ بل إن "ذكر الله"، و"الاستعانة بالرب"، و"الخشوع"، و"الحفاظ على العلاقة مع الله"، وأخيراً "نهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر" من أهم الوظائف التي يرسمها القرآن لها.
لذلك، عندما يُطرح موضوع "الاستخفاف بالصلاة"، لا ينبغي حصر هذا المفهوم في ترك الصلاة بالكامل فقط. فقد تحدث القرآن، إلى جانب التحذير من ترك الصلاة، عن تضييع الصلاة، والغفلة عنها، والكسل عند أدائها، وتقديم الأعمال الباطلة والتجارة عليها، وإفراغ الصلاة من ذكر الله.
وبتعبير آخر، من منظور القرآن، قد يُصلي الإنسان، لكنه في الحقيقة "غير مبالٍ" بالصلاة؛ كما قد يُحافظ على المظهر الظاهر للعبادة، لكن حقيقتها وأثرها في الحياة يضيعان.
عندما تُقرن ترك الصلاة بعذاب جهنم
ربما ينبغي البحث عن أوضح صورة قرآنية لتبعات ترك الصلاة في حوار أهل النار في سورة المدثر. فعندما يُسألون: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} (ما الذي أدخلكم في سقر؟)
يجيبون: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} .
والنقطة المهمة أن "عدم الصلاة" في هذه الآيات قد وُضع إلى جانب مجموعة من عوامل سقوط الإنسان. أي أن القرآن لا يقدم ترك الصلاة كمسألة هامشية وقليلة الأهمية، بل يضعه في عداد اعترافات أهل النار الذين يتحدثون عن سبب وقوعهم فيما وقعوا فيه.
هذا التعبير يُظهر جيداً أهمية الصلاة في المنظومة التربوية للقرآن؛ فالصلاة ليست سلوكاً شكلياً لا يؤثر حذفه في المسار المعنوي للإنسان.
الخطر ليس ترك الصلاة فقط؛ بل "تضييع" الصلاة أيضاً
من أهم تعبيرات القرآن حول هذا الموضوع ما جاء في سورة مريم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} . يتحدث القرآن عن جيل جاء بعد الصالحين، فضيّع الصلاة واتبع الشهوات.
تركيب هذين التعبيرين جدير بالتأمل. فقد وُضع "تضييع الصلاة" إلى جانب "اتباع الشهوات"؛ وكأن من علامات ابتعاد الإنسان عن مسار المعنوية أن الرغبات النفسية تغيّر تدريجياً مكانة الصلاة في حياته.
في مثل هذه الظروف، قد لا تُحذف الصلاة في البداية، لكن أهميتها تتقلص شيئاً فشيئاً؛ فيتغير وقتها، وتُقرأ على عجل، ويُسلب منها حضور القلب، أو تُقدَّم عليها دائماً برامج أخرى.
ثم لا يسد القرآن طريق العودة: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} أي أن تحذير القرآن ليس لمجرد التحذير؛ فحتى بعد هذا السقوط يبقى طريق التوبة والإيمان والعمل الصالح مفتوحاً.
تحذير عجيب من القرآن: ويل للمصلين!
ربما يكون التعبير الأكثر صدمة في هذا المجال هو آيات سورة الماعون: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ؛ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} .
في النظرة الأولى، قد نتوقع أن يكون التحذير موجهاً لمن لا يصلون؛ لكن القرآن يستخدم تعبيراً آخر: "المصلين". ولهذه النقطة رسالة مهمة: مجرد أداء الصلاة ظاهرياً لا يضمن وحدها كونها مرغوبة ومقبولة. فقد يصلي الإنسان، لكنه يكون غير مبالٍ بالصلاة نفسها؛ فتصبح الصلاة بالنسبة له عادة بلا روح، وتبتعد عن هدفها الأساسي.
بطبيعة الحال، لا ينبغي تبسيط "ساهون" في هذه الآية وتعميمها على أي شرود ذهني طبيعي في الصلاة. الكلام في الآية عن الذين لديهم حالة من اللامبالاة والغفلة تجاه صلاتهم؛ الذين فقدت الصلاة مكانتها الحقيقية في منظومة حياتهم. لذلك يمكن تلخيص رسالة الآية هكذا: الصلاة ليست مجرد أداء عمل؛ بل إن طريقة تعامل الإنسان مع الصلاة هي أيضاً مهمة.
تغيير نظام الأولويات في الحياة
يقدم القرآن في سورة الجمعة أيضاً صورة لأحد الآفات الاجتماعية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} .
ثم يوضح القرآن المعيار: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} تكشف هذه الآية عن مسألة إنسانية دائمة؛ وهي: ما الذي يحتل الأولوية في حياتنا؟
إذا كانت التجارة، أو الترفيه، أو العمل، أو الهاتف المحمول، أو شبكات التواصل الاجتماعي، أو التسلية، أو أي مشغلة أخرى تتقدم دائماً على الصلاة، فالمسألة ليست مجرد نقص في الوقت؛ بل هي تغيير في "نظام الأولويات".
الصلاة في منطق القرآن يُفترض أن تحافظ على مكانتها بين مشاغل الحياة، لا أن تُدفع إلى الهامش كلما ظهرت تسلية أكثر أهمية.
"بكسل" الصلاة؛ عندما تفرغ العبادة من الداخل
في سورة النساء، يقول القرآن عن المنافقين: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} .
في هذه الآية، اجتمعت ثلاث علامات: الكسل، والرياء، وقلة ذكر الله. يدل هذا التركيب على أن الصلاة، من منظور القرآن، يمكن أن تبتعد عن حقيقتها وتتحول إلى مجرد عرض ظاهري.
بطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار كل تعب أو فتور في الصلاة مصداقاً لهذه الآية. فقد يكون الإنسان متعباً بشكل طبيعي، أو يقل تركيزه للحظة. لكن تحذير الآية يشير إلى حالة مستقرة وأعمق؛ حين تنبع العبادة لا من الارتباط بالله، بل من العادة، أو الاستعراض، أو الإجبار الاجتماعي.
الصلاة؛ ليست مجرد حركة للجسد
تعبّر الآية 43 من سورة النساء عن نقطة جوهرية حول الصلاة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} .
رغم أن هذه الآية نزلت في سياق خاص يتعلق بالسكر، إلا أنها تكشف أصلاً مهماً حول حقيقة الصلاة: الصلاة مرتبطة بالوعي والفهم. {حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}.
الصلاة القرآنية ليست مجرد مجموعة من الحركات الجسدية. يجب أن يعرف الإنسان أمام من يقف وماذا يقول. من هذا المنظور، فإن من مخاطر الاستخفاف بالصلاة تحويلها إلى عمل ميكانيكي تماماً؛ عمل يقوم به الجسد، لكن القلب والعقل غائبان عنه.
الصلاة الحقيقية يجب أن تؤثر في الحياة
من أهم معايير القرآن لقياس حقيقة الصلاة، الآية 45 من سورة العنكبوت: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
تضع هذه الآية سؤالاً جدياً أمام الإنسان: "إذا كانت الصلاة يُفترض أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فما الأثر الذي تركته صلاتي على سلوكي؟" هذا الكلام لا يعني أن كل ذنب دليل على عدم الصلاة أو عدم قيمة صلاة الفرد؛ بل يرسم القرآن وظيفة تربوية للصلاة. يجب أن تؤثر الصلاة في شخصية الإنسان وتربط بين العبادة والسلوك. لذلك، فالصلاة المرغوبة في القرآن ليست جزيرة منفصلة عن الحياة، بل قوة لإصلاح نمط الحياة.
لماذا يرى بعض الناس الصلاة "ثقيلة"؟
يقول القرآن في سورة البقرة: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} هنا يربط القرآن بين الصلاة والخشوع.
قد تبدو الصلاة ثقيلة على الإنسان قليل الصبر والغارق في رغبات متعددة، لكنها للإنسان الخاشع طريق للارتباط والاستعانة.
وفي آية أخرى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي أن الصلاة من أهم أدوات المؤمن لمواجهة صعوبات الحياة.
إذن، الاستخفاف بالصلاة لا يعني فقط فقدان فريضة؛ بل يعني التخلي عن أحد أهم الموارد المعنوية للإنسان لتحمل المشاكل والحفاظ على الارتباط بالله.
الصلاة من أجل "ذكر الله"
ربما يمكن العثور على أحد أعمق التعريفات القرآنية لفلسفة الصلاة في كلام الله لموسى (عليه السلام): {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} .
عبارة {لِذِكْرِي} مهمة جداً. الصلاة من أجل ذكر الله. إذا أُفرغت الصلاة من "ذكر الله"، فهناك خطر أن يبقى القالب ويضيع المحتوى. قد يصلي الإنسان، لكن الصلاة لا تمتد في ذهنه وسلوكه. في هذه الرؤية، الصلاة موعد يومي لعودة الإنسان من ضجيج الدنيا إلى الله.
القرآن لا يقول فقط: صلِّ؛ بل يقول: حافظ على الصلاة: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. تعبير {حَافِظُوا} جدير بالتأمل؛ فالقرآن لا يقول فقط أدّوا الصلاة، بل يقول حافظوا على الصلوات. الحفاظ على الصلاة يعني ألا تضيع الصلاة في وسط اضطرابات الحياة. يجب الاهتمام بوقتها ومكانتها وجودتها وروحها.
ويمكن اعتبار هذا التعبير النقيض لـ"تضييع الصلاة": في طرف {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ}، وفي الطرف الآخر {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}. أحدهما اختيار التضييع، والآخر اختيار المراقبة والحفاظ.
تعليقك